الفهرس

تعريف الثبات

إنّ ثبات الإنسان على أمرٍ لا يتولّد إلّا من عمق الإيمان المنبثق من قلبه تجاه هذا الأمر، وللوقوف على كيفية وصور تثبيت الإيمان لدى المسلم؛ لا بد من بيان معنى الثّبات لغةً واصطلاحاً:

  • الثبات لغةً: ثبت في مكانه؛ أي أقام واستقر فلا يتحرك، وثبات الشخص على رأيه؛ أي استمراره عليه.[1]
  • الثبات اصطلاحاً: هو المواظبة والاستمرار على طريق الهداية، والصبر في هذا الطريق والأخذ بمقتضياته، وبذل الجهد في السعي للخير ونيله، حيث يكون لدى المؤمن ثوابت متجذرة في القلب لا يتنازل عنها وإن أصابه الفتور، وإن كان وزلت النفس عن طريق الحق والثّبات، ما لبث المؤمن إلا أن عاد بقلب مقبل تائب أخلص مما كان عليه، وهذا حال الثابتين على الحق.[2]

كيفية الثبات على الإيمان

إنّ الثبات على الإيمان يحتاج من المؤمن المداومة على أسباب تضعه على الطريق القويم، الذي يكون له سبباً للنّجاة من فتن الدّنيا، ومن هذه الأسباب:[3]

  • الإيمان بالله تعالى والإقبال عليه بالعمل الصالح؛ فهذا هو طريق الثّبات على الإيمان وصدق الوصال، فقد قال الله تعالى: (يُثَبِّتُ اللَّـهُ الَّذينَ آمَنوا بِالقَولِ الثّابِتِ فِي الحَياةِ الدُّنيا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّـهُ الظّالِمينَ وَيَفعَلُ اللَّـهُ ما يَشاءُ).[4]
  • مدارسة القرآن الكريم والعمل بعلومه وحفظ آياته، فتعلّمه سبب استقامة الفرد المسلم، والبعد عن ظِلالِه؛ ضلال وشقاوة، إذ إنّ أصل الثّبات على الإيمان ينطلق من مجالسة القرآن، فقد قال الله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا).[5]
  • التعمّق في قصص القرآن الكريم وسير الأنبياء عليهم السلام، لأخذ العظة والعبرة من ثباتهم والتأسي بهم، قال الله تعالى: (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيكَ مِن أَنباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ في هـذِهِ الحَقُّ وَمَوعِظَةٌ وَذِكرى لِلمُؤمِنينَ).[6]
  • اللجوء إلى الله تعالى بالدعاء، فهو ديدن كل مؤمن صادق مخلص؛ حيث إنّه من أهم عوامل الصبر والثّبات على الإيمان، فها هو شهر بن حوشب يسأل: (يا أمَّ المؤمنينَ ما كانَ أَكْثرُ دعاءِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ إذا كانَ عندَكِ ؟ قالَت : كانَ أَكْثرُ دعائِهِ : يا مُقلِّبَ القلوبِ ثبِّت قلبي على دينِكَ قالَت : فقُلتُ : يا رسولَ اللَّهِ ما أكثرُ دعاءكَ يا مقلِّبَ القلوبِ ثبِّت قلبي على دينِكَ ؟ قالَ : يا أمَّ سلمةَ إنَّهُ لَيسَ آدميٌّ إلَّا وقلبُهُ بينَ أصبُعَيْنِ من أصابعِ اللَّهِ ، فمَن شاءَ أقامَ ، ومن شاءَ أزاغَ . فتلا معاذٌ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا).[7]
  • السير في طريق الدعوة إلى الله؛ فهذا ديدن الأنبياء وطريقهم وكل من تبعهم، فقد قال الله تعالى: (قُل هـذِهِ سَبيلي أَدعو إِلَى اللَّـهِ عَلى بَصيرَةٍ أَنا وَمَنِ اتَّبَعَني وَسُبحانَ اللَّـهِ وَما أَنا مِنَ المُشرِكينَ).[8]
  • ملازمة الرفقاء الصالحين، فمجالستهم تُعدّ من أعظم الأسباب التي تُعين على الثّبات، فقد قال الله تعالى: (وَاصبِر نَفسَكَ مَعَ الَّذينَ يَدعونَ رَبَّهُم بِالغَداةِ وَالعَشِيِّ يُريدونَ وَجهَهُ وَلا تَعدُ عَيناكَ عَنهُم تُريدُ زينَةَ الحَياةِ الدُّنيا وَلا تُطِع مَن أَغفَلنا قَلبَهُ عَن ذِكرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمرُهُ فُرُطًا).[9]
  • استعانة الفرد المسلم بالصبر والصلاة؛ للإعانة على الثّبات، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّـهَ مَعَ الصَّابِرِينَ).[10]

ثبات عبد الله بن حذافة

إنّ الثّباتَ على أمر ما لا يكون إلا من عُمق الإيمان به، النابع من القلب، وهنا تتجلى صور الثّبات في قصة الصّحابي الجليل عبد الله بن حذافة الذي وقع أسيراً بين يدي الروم، فقدّم هرقل نصف ملكه لعبد الله بن حذافة على أن يعتنق النصرانيّة، فيقابله عبد الله بالرفض، فأمر هرقل برميه بالسّهام بعد أن صلبه ولم يهتمّ عبد الله بن حذافة -رضي الله عنه- بذلك ولم يرجع عن دين الإسلام، فأمر هرقل بقَدْر من الماء المغليّ وألقى فيه أحد الأسرى أمام عبد الله بن حذافة ومات الأسير الذي أُلقي في الماء، ثمّ أُتي بعبد الله بن حذافة -رضي الله عنه- ليُلقى في الماء الساخن، فبكى ثمّ أمر هرقل بإرجاعه وسأله عن سبب بكائه؛ وكانت إجابة عبد الله بن حذافة بأنّه تمنّى لو أنّ له مئة نفسٍ تموت في سبيل الله -تعالى- وفي سبيل دعوة الإسلام، ثمّ عرض هرقل عليه أن يقبّل رأسه مقابل أن يطلق سراحه، فوافق عبد الله على ذلك واشترط على هرقل إطلاق سراح جميع الأسرى المسلمين عنده؛ فوافق هرقل على شرط عبد الله وقبّل رأسه واُطلق سراح جميع الأسرى المسلمين، وعندما ذهبوا إلى عمر بن الخطّاب -رضي الله عنه- وعَلِم بفعل عبد الله بن حذافة -رضي الله عنه- مع هرقل وثباته على الدّين وصبره على الأذى وأنواع التعذيب المختلفة قبّل رأسه.[11]

وتعرّض عبد الله بن حذافة -رضي الله عنه- لأنواع شتّى من العذاب وهو مقيّد الحريّة عند هرقل؛ حيث كانوا الخدم يقدّمون له لحم الخنزير كلّ يوم ولكنّ عبد الله كان ثابتاً وشامخاً أمام كلّ أنواع العذاب فلم يتناول لحم الخنزير قطّ وبقي جائعاً، حتى وصل ذلك إلى هرقل فأمر هرقل بتقديم الطعام المباح تناوله في الإسلام، ثمّ عرض عليه الجواري وقربهنّ إليه فلم يُقبل عبد الله إليهنّ أبداً وبقي شامخاً عزيزاً أمام جميع أنواع فتن الإعراض عن الإسلام.[12]

المراجع

  1. “تعريف و معنى الثّبات في معجم المعاني الجامع”، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 2018-3-25. بتصرّف.
  2. “الثّبات”، www.islamweb.net، 2002-3-19، اطّلع عليه بتاريخ 2018-3-31. بتصرّف.
  3. أمين بن عبد الله الشقاوي (2012-6-21)، “أسباب الثّبات على الدين”، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 2018-3-31. بتصرّف.
  4. سورة إبراهيم، آية: 27.
  5. سورة الفرقان، آية: 32.
  6. سورة هود، آية: 120.
  7. رواه الألباني، في صحيح الترمذي، عن شهر بن حوشب، الصفحة أو الرقم: 3522، خلاصة حكم المحدث : صحيح.
  8. سورة يوسف، آية: 108.
  9. سورة الكهف، آية: 28.
  10. سورة البقرة، آية: 153.
  11. “عبد الله بن حذافة”، www.islamstory.com، 2006-5-1، اطّلع عليه بتاريخ 2018-4-6. بتصرّف.
  12. “هكذا سادوا”، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 6-4-2018. بتصرّف.