الفهرس

الأخلاق في الإسلام

بعث الله الأنبياء وبدأوا بنشر الأخلاق بين الناس، ثمّ بعث النبيّ محمد صلّى الله علي وسلّم؛ ليتمّ ما بدأه الأنبياء من قبله، فلا يصحّ دينٌ بلا خُلق، ولا يصحّ خُلقٌ بلا دين، ويعرّف الخلق بأنّه: هيئةٌ راسخةٌ في النفس، تصدر عنها الأفعال بسهولةٍ ويسرٍ، من غير حاجةٍ إلى فكرٍ ورويّةٍ، وقد تكون هذه الأفعال محمودةً وقد تكون مذمومةً، وتكمن أهميّة الأخلاق في أنّ النبيّ جعل الغاية من بعثته أن يتمّمها، فقال: (إنَّما بُعثتُ لأتمِّمَ مكارمَ الأخلاقِ)،[1] فعلى الرغم من أنّ الاخلاق ليست أهمّ شيءٍ بُعث به النبيّون؛ فالعقيدة والعبادات أهمّ، ولكنّ هذا ممّا يدلّ على أهميتها في الإسلام، فالأخلاق يدركها الناس من خلال تعاملهم مع بعضهم البعض، ولقد عظّم الإسلام الأخلاق، فجعل التحلّي بها عبادةً يُؤجر المرء عليها، وجعلها رسول الله أساس التفاضل بين العباد يوم القيامة، فأقرب الناس مجلساً من رسول الله أحاسنهم أخلاقاً، ولا شيء أثقل في الميزان يوم القيامة من حُسن الخُلق، وقرن رسول الله حُسن الخلق مع التقوى، كأكثر سببين يدخلان العبد الجنّة، فقد رُوي عن رسول الله أنّه: (سُئِلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ما أكثرُ ما يُدخلُ الناسَ الجنةَ؟ قال: تقوَى اللهِ، وحُسْنُ الخُلُقِ)،[2] والأمّة التي تفقد أخلاقها فقد فقدت كيانها، فمؤشر استمرار الأمم وبقاؤها هو الأخلاق، وتساعد الأخلاق بشكلٍ كبيرٍ على إنهاء العداوة والمشاكل بين الناس، ولا يحقّق الإنسان الستر المعنوي الذي أمر الله تعالى به إلّا بالأخلاق، فقال: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ).[3][4]

التعامل مع كبار السن

جاءت شريعة الإسلام بالأخلاق التي تقوّي أواصر المودة بين الأفراد داخل المجتمع المسلم على تعدّد فئاتهم مهما كانوا، وذلك من أجل أن يكون المجتمع صالحاً، ومن تلك الأخلاق التي حثّ عليها الإسلام احترام الكبار في السنّ، فأمر الإسلام باحترامهم وتعظيمهم، وعدم التطاول عليهم أو الإساءة إليهم بالأقوال والأفعال، وأمر الإسلام الكبير أيضاً بالعطف والرحمة على الصغير، وما ذلك إلّا بتبادل المنافع بين الأفراد داخل المجتمع الواحد، وقد حثّ النّبي -عليه السّلام- على التحلّي بهذا الخُلق العظيم، وقد بيّن أنّ من يتّصف به في صغره مع الكبار فقد يهيّئ الله له من يحنو عليه، ويُحسن إليه عند كبره وعجزه، ويعدّ ذلك من تعظيم الله تعالى، فقد قال رسول الله: (إنَّ من إجلالِ اللَّهِ تعالى إكرامَ ذي الشَّيبةِ المسلمِ)،[5] فيحرص المسلم على أن يراعي كبره وعجزه أثناء التعامل معه، ويتذكّر أنّه وإن كان قوياً الآن فسيعود يوماً إلى ضعفه الذي كان عليه، كما قال الله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ)،[6] ولا يتكبّر عليه، وقد أخبر النبيّ أنّ إهانة الشيخ الكبير تدلّ على ما في القلب من نفاقٍ، وكان رسول الله إذا تحدث عنده اثنان بأمرٍ ما بدأ بأكبرهما سنّاً، وما ذلك إلّا ليدلّ على أنّ الإسلام أمر باحترام الكبير.[7]

حقوق الكبار في الإسلام

تتعدد حقوق الكبار في السن وطرق الرحمة والرأفة بهم، وما ذلك إلّا من الإحسان لهم، وما جزاء الإحسان إلّا الإحسان، وفيما يأتي بيانٌ لحقوقهم بشكلٍ مفصّلٍ:[8]

  • توقيره واحترامه؛ بأن يكون له مكانةٌ في النفوس، ومنزلةٌ في قلوب من هم حوله، وقد كان ذلك من سمت الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- وصفاته، وهو من الواجبات التي أوجبها النبيّ، إضافةً إلى السعي في خدمتهم والعمل على راحتهم، فقد قال الرسول -عليه السّلام- حين دخل عليهم رجلٌ كبيرٌ في السن، فلم يسرع أحدٌ إلى أن يُوسع له في المجلس: (ليس منا من لم يرحمْ صغيرَنا، ويُوَقِّرْ كبيرَنا).[9]
  • طيب المعاملة؛ وذلك بحُسن الكلام والخطاب، وإكرام التعامل معه.
  • البدء بالسلام عليه؛ وذلك من خلال عدم انتظار بدئه هو بالسلام في حال لقائه؛ احتراماً وتقديراً له، ويكون ذلك بالأدب في الخطاب والوقار، مع مراعاة درجة الصوت التي تناسب سمعه وحاله، دون التعدّي في ذلك.
  • إحسان الخطاب من خلال مناداته بأحبّ الألقاب إليه، ويدلّ هذا على مكانته وقدره في المجتمع الذي يعيش فيه.
  • تقديمه في كلّ شيءٍ، سواء كان طعاماً، أو شراباً، أو مجلساً، أو خطاباً، أو دخولاً، أو خروجاً، ومن الأمثلة على ذلك: ما رُوي عن ابن عمر أنّ رسول الله سأل: (إنَّ منَ الشَّجرِ شجرةً لا يسقطُ ورقُها وإنَّها مَثلُ المسلمِ فحدِّثوني ما هيَ فوقعَ النَّاسُ في شجرِ البوادي قال عبدُ اللَّهِ ووقعَ في نفسي أنَّها النَّخلةُ فاستحيَيْتُ ثمَّ قالوا حدِّثنا ما هيَ يا رسولَ اللَّهِ قال فقال هيَ النَّخلةُ قال فذَكرتُ ذلِكَ لعمرَ قال لَأن تَكونَ قلتَ هيَ النَّخلةُ أحبُّ إليَّ من كذا وَكذا)،[10] فقد امتنع ابن عمر عن الحديث؛ لوجود من هو أكبر منه سنّاً في المجلس.
  • الدعاء له بطول العمر والبركة فيه، والزيادة في طاعة الله، والتوفيق والسداد، وكلّ ما هو خيرٌ، وأن يرزقه الله حُسن الخاتمة.
  • مراعاة ضعفه ووضعه؛ فقد كان في يومٍ من الأيام قويّ الجسم، بهيّ المنظر، ثمّ بدأ بالكهولة والضعف، فتغيّر طبعه وخارت قواه، فأصبحت حركته صعبةً وقليلةً وبطيئةً، فيجب مراعاة وضعه وما هو عليه.

المراجع

  1. رواه الألباني ، في السلسلة الصحيحة، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 45، صحيح.
  2. رواه الألباني ، في صحيح الموارد، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 1615، حسن.
  3. سورة الأعراف، آية: 26.
  4. عبد السلام غالب (26-8-2013)، “الأخلاق أهميتها وفوائدها”، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 11-10-2018. بتصرّف.
  5. رواه النووي، في تحقيق رياض الصالحين، عن أبي موسى الأشعري، الصفحة أو الرقم: 173، حسن.
  6. سورة الروم، آية: 54.
  7. عبد العزيز آل الشيخ (27-12-2007)، “احترام الكبير”، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 12-10-2018. بتصرّف.
  8. رفيع القاسمي (2-6-2017)، “حقوق كبار السن في الإسلام”، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 12-10-2018. بتصرّف.
  9. رواه الألباني، في صحيح الجامع، عن أنس بن مالك وعبد الله بن عمرو بن العاص وابن عباس، الصفحة أو الرقم: 5445، صحيح.
  10. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن عبد الله بن عمر، الصفحة أو الرقم: 2811، صحيح.